في مشهد يلخص مأساة “التنمية” التي تفتك بالأرض والإنسان ، يقف معمل السكر الشهير في سيدي بنور كصرح شاهد على نموذج اقتصادي أحادي ، لا يرى في المنطقة سوى مجال لإنتاج السكر، متغافلاً عن حقوق أبنائها وصحة بيئتها.
حيث تشكل الانبعاثات الكثيفة والروائح الكريهة مصدر قلق دائم للسكان ، بينما تبقى وعود التشغيل حبراً على ورق ، و حلم السكن اللائق أمنية بعيدة بسبب أزمة تجزئة سكنية عالقة.
لم تعد الأبخرة المتصاعدة من مداخن المعمل مجرد منظر مألوف، بل تحولت إلى شكوى يومية لأهالي المنطقة ,و يؤكد السكان أن هذه الانبعاثات مصحوبة بروائح كريهة ناتجة عن عمليات التصنيع ، خاصة أثناء معالجة الشمندر ، مما يجعل الحياة صعبة، لا سيما للمقيمين في المناطق المحيطة.
يقول مواطن ، وهو مزارع يعيش على مقربة من المعمل: “نعاني من هذه الروائح ليل نهار، خاصة في المساء ، اذ أصبح من المستحيل فتح النوافذ ، و كثير من الجيران يشكون من مشاكل في التنفس وتهيج في العينين ، والأمر الأكثر إيلاماً هو أننا نشعر أن صحتنا ورفاهيتنا ثمن بخس لإنتاج السكر”.
على الرغم من كون المعمل أكبر وحدة صناعية في المنطقة، إلا أنه لا يشكل منفذاً حقيقياً لتشغيل أبناء سيدي بنور حيث يشكو الشباب المتعلم من سياسة الاستبعاد وعدم فتح باب التوظيف المحلي بشكل عادل.
سيدة ، حاصلة على شهادة تقنية وأم لثلاثة أطفال ، تروي معاناتها: “تقدّم زوجي وأخي للعمل في المعمل أكثر من مرة ، ولكن دائمًا ما تكون الإجابات سلبية أو لا توجد إجابات أصلًا.
كيف لأكبر مشروع في منطقتنا ألا يستفيد منه أبناؤها؟ أين هي التنمية التي تتحدث عنها الجهات المعنية إذا لم تخلق فرص عمل؟”.
تبدو المفارقة قاسية في قصة “التجزئة السكنية” التي أنشأتها جهات مستثمر في العقار بسيدي بنور بهدف إيواء الساكنة وتنمية المنطقة عمرانياً ، فقد تحولت هذه التجزئة من حلم إلى كابوس للمستثمرين بعد ملاحظة عدم إقبال المواطنين من اقتناء بقع أرضية مخافة من تلوث بيئي يتفاهم لما هو عليه و السبب في تعفنات ، و صعوبة في التنفس .
فبعد أن بدأ المواطنون في الاستبشار خيرا في التوسع العمراني للمدينة عند المدخل من جهة الجديدة ، اصطدموا بحقيقة مريرة ، القرب من معمل السكر جعل من المستحيل بيع هذه القطع بسبب التلوث والرائحة الكريهة.
في ظل هذا الواقع المأزوم، تبرز أسئلة ملحة حول دور الجهات المسؤولة ، فهل تقوم المصالح المعنية بدورها الرقابي للتأكد من التزام المعمل بالمعايير البيئية؟ ولماذا لا يتم إلزامه بتقنيات حديثة لتقليل الانبعاثات ومعالجة المخلفات؟ كما يتساءل السكان عن سبب عدم وجود برامج تشغيل لأبناء المنطقة في هذا الصرح الصناعي الكبير.
إن معمل السكر بسيدي بنور، الذي يفترض أن يكون قاطرة للتنمية، يتحول في نظر المواطنين الذين يتطلعون الى اقتناء بقع أرضية لتحويلها إلى مساكن تحولت امنياتهم إلى كوابيس بعد اكتشافهم إلى أن مخلفات المعمل يتم التخلصمنها عبر قنوات دون اخد الاحتياطات اللازمة لتفادي انتشار الروائع و التلوث البيئي و اسراب من الحشرات تغطي تلك المقذوفات .
ومع استمرار معاناة السكان من تلوث الهواء، وحرمان الشباب من فرص العمل، وتجميد أحلام السكنى لمالكي قطع الأرض، تبقى الحاجة ملحة لتدخل عاجل وشامل.
إنها دعوة للجهات المعنية – المسؤولين المحليين، وإدارة المعمل، والسلطات البيئية لتحمل مسؤولياتهم، والاستماع لصوت السكان، والعمل على تحويل هذا المعمل من مصدر للإزعاج والخيبة إلى مشروع تنموي حقيقي يحترم الإنسان والبيئة، ويكون فخراً لأهل سيدي بنور وليس مصدر شقائهم.
اشارة:مسبقا ستخرج إدارة المعمل بموضوع يحمل كل الملاحظات التي قد تتجه إلى تكذيب هذه المادة الإعلامية الاستقصائية.
حق الرد مكفول قانونا