شوارع مدينة الجديدة ، أصبحت تشهد في السنوات الأخيرة مشهداً متكرراً ومؤلماً: انتشار ظاهرة التسول بشكل لافت للنظر.
لم تعد الحالة تقتصر على الفئات التقليدية من ذوي الاحتياجات الخاصة أو كبار السن العاجزين ، بل توسعت لتشمل فئات عمرية مختلفة وأساليب متنوعة، مما يطرح تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها ، والسبل الكفيلة بمعالجتها.
يمكن رصد أشكال متعددة للتسول في مدينة الجديدة:
1. التسول التقليدي: يجلس المتسولون عند مداخل المساجد، الأسواق، والمقاهي، أو يتجولون بين الطاولات في المطاعم، مستخدمين عبارات تستدرج العطف.
2. التسول “الإلكتروني”: انتشر متسولون يحملون وثائق وملفات طبية، يدّعون حاجتهم إلى عمليات جراحية أو أدوية مكلفة، في محاولة لإضفاء شرعية على طلبهم.
3. تسول الأطفال: يُشاهد أطفال، أحياناً تحت سن المدرسة، إما منفردين أو برفقة نساء، في إشارة صارخة إلى استغلال الطفولة وتشغيلها في أعمال غير مشروعة.
4. التسول الاحترافي: تقوم عصابات منظمة بتدريب أفرادها وتأجير أطفال أو معاقين للعمل في مناطق محددة، محوّلة التسول إلى “تجارة” مربحة تستفيد من سخاء المواطنين.
تتعدد العوامل المتسببة في اتساع رقعة هذه الظاهرة:
· العامل الاقتصادي: يبقى الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية الدافع الرئيسي للكثيرين، خاصة في غياب شبكة أمان اجتماعي كافية تلبي الحاجات الأساسية للأسر المعوزة.
· الاستغلال المنظم: وجود شبكات تستغل حاجة الناس وتنظم عمليات التسول، مما يجعلها مصدر دخل كبير على حساب كرامة الإنسان ومشاعر المواطنين.
· الثقافة المجتمعية: يساهم التساهل والتبرع العشوائي لبعض المواطنين، بدوافع إنسانية أو دينية، في تشجيع استمرار هذه الظاهرة، حيث يجد المتسولون بيئة خصبة لجمع الأموال.
· تفكك الأسر وضعف الرقابة الأسرية: غياب الرعاية الأسرية للأطفال أو تخلّي الأسر عن مسؤوليتها يدفع بالبعض، خاصة صغار السن، إلى الشارع بحثاً عن لقمة العيش.
· ضعف التدخل المؤسساتي: يبدو أن الجهود الرامية لمكافحة الظاهرة، سواء من طرف السلطات المحلية أو المؤسسات الاجتماعية، غير كافية للحد من انتشارها، سواء على مستوى التكفل بالحالات الحقيقية أو على مستوى الزجر.
لظاهرة التسول آثار سلبية متعددة:
· تشويه صورة المدينة: تؤثر الظاهرة سلباً على المنظر الحضاري لمدينة الجديدة، التي تعتمد على السياحة البحرية والتراثية.
· استغلال الأطفال: يُعد تسول الأطفال انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل، حيث يحرمهم من طفولتهم وتعليمهم ويعرضهم لمخاطر نفسية وجسدية.
· ترسيخ ثقافة الاتكالية: تعزز الظاهرة ثقافة الاعتماد على الآخرين بدلاً بذل الجهد والعمل المنتج، مما يقوض قيم المبادرة والعمل.
· استغلال مشاعر المواطنين: يشعر الكثير من المواطنين بالإحباط والريبة، حيث يصعب التمييز بين المحتاج الحقيقي والمحتال.
لمعالجة الظاهرة يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الزجر والوقاية:
1. التكفل المؤسساتي: تعزيز دور المؤسسات الاجتماعية (مثل مؤسسة محمد الخامس للتضامن، والمراكز الاجتماعية التابعة للجماعات الترابية) في تحديد الحالات الحقيقية للإعاقة والفقر وتوفير دخل مضمون أو إدماجها في برامج التضامن الاجتماعي.
2. التشديد الزجري: تكثيف الحملات الأمنية لتطهير الأماكن العمومية من المتسولين، وملاحقة العصابات المنظمة التي تستغل الأطفال والضعفاء، وتطبيق القانون بحزم.
3. الحملات التوعوية: تنظيم حملات إعلامية لتوعية المواطنين بأهمية التبرع عبر القنوات الرسمية الموثوقة، وشرطية عدم تشجيع التسول المباشر الذي قد يغذي الظاهرة.
4. الإدماج الاقتصادي: خلق برامج للتكوين المهني وتشجيع المشاريع الصغيرة للأسر الهشة، لتوفير بدائل اقتصادية شريفة عن التسول.
5. حماية الطفولة: تعزيز آليات حماية الطفولة من خلال تعاون فعال بين السلطات والمجتمع المدني لإنقاذ الأطفال المتسولين وإعادتهم إلى أسرهم أو دور الرعاية ومدارسهم.
ظاهرة التسول في الجديدة هي بمثابة جرس إنذار ينبئ عن اختلالات اجتماعية واقتصادية أعمق. لا يكفي أن ننظر إلى المتسولين كمشهد مزعج فقط، بل يجب أن نعترف بأنهم عرض لمرض اجتماعي يحتاج إلى تشخيص دقيق وعلاج جذري. المواجهة الحقيقية تبدأ بتضافر جهود الجميع: السلطات، المؤسسات المنتخبة، المجتمع المدني، والمواطنون، من أجل مدينة أكثر جمالاً وإنسانية، تكون فيها الكرامة الإنسانية هي السائدة.