نص الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين بالمؤتمر الدولي الثاني للعدالة

نص الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين بالمؤتمر الدولي الثاني للعدالة

يومه الاثنين 21 أكتوبر الجاري عرف انطلاق أشغال المؤتمر الدولي الثاني للعدالة بمراكش بمشاركة مجموعة من الوفود من دول مختلفة .

المؤتمر الدولي تم تنظيمه بشراكة مع رئاسة النيابة العامة و المجلس الأعلى للسلطة القضائية و وزارة لوزارة العدل .

و من أبرز الحاضرين للدورة الثانية “محمد عبد النباوي” ، الوكيل العام لدى محكمة النقض، رئيس مؤسسة النيابة العامة، و “مصطفى فارس”، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إضافة لوزير العدل، “محمد بنعبد القادر”، و وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان و العلاقات مع البرلمان ، السيد “مصطفى الرميد” .

كما حضر أشغال “المؤتمر” حوالي 4000 مشارك أجنبي، عن 68 دولة، منهم 35 وزيرا للعدل، 9 رؤساء مجالس عليا للقضاء ، 21 رئيسا للنيابة العامة و مدعوين من ىقضاة و مهتمين بالقضاء ، بالإضافة لأزيد من 180 منظمة مدنية وخبراء دوليون،و حيث ستمتد أشغاله على مدى يومين من 21 و إلى 22 أكتوبر 2019.

و في هذا الصدد وجه الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين بالمؤتمر الدولي الثاني للعدالة التي تقدم بتلاوتها  وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان و المجتمع المدني ، حيث أشاد فيها الملك “محمد السادس”  بالموضوع الذي اختير لهذه الدورة ”العدالة والاستثمار …التحديات والرهانات“، مؤكدا على أهمية العدالة في خلق جو من الاستثمار و تشجيع المستثمرين على إنشاء مشاريعهم بشكل مريح ومحفز تحت جميع الضمانات القانونية و القضائية .

وفي ما يلي نص الرسالة الملكية السامية :
“الحمد لله، و الصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

أصحاب المعالي ، السيدات و السادة الوزراء،

أصحاب الفضيلة، السيدات والسادة رؤساء المجالس العليا للقضاء ورؤساء النيابات العامة،

حضرات السيدات والسادة،

إنه لمن دواعي سرورنا أن نتوجه إليكم ، في افتتاح الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالة ، الذي أضفينا عليه رعايتنا السامية ، باعتباره ملتقى دوليا متميزا لتبادل الأفكار , و تقاسم التجارب و الخبرات، و إطلاق المزيد من الشراكات، في سبيل تطوير منظومة العدالة، و تكريس مكانتها، و الرفع من مستوى فعاليتها و نجاعتها.

و إذ نرحب بكم ضيوفا كراما على أرض المملكة المغربية، فإننا نشيد باختياركم لهذه الدورة موضوع “العدالة والاستثمار: التحديات والرهانات”. لما يجسده هذا الموضوع من وعي بأهمية الاستثمار كرافعة للتنمية، و بالدور الحاسم الذي تضطلع به العدالة في الدفع بالنمو الاقتصادي، عبر تعزيز دولة الحق و القانون، و ضمان الأمن القانوني و القضائي اللازم لتحقيق التنمية الشاملة.

حضرات السيدات و السادة،

لقد أكدنا في مناسبات عديدة، على ضرورة وضع رؤية استراتيجية في مجال تحسين مناخ الأعمال . رؤية قوامها توفير بيئة مناسبة للاستثمار، و اعتماد منظومة قانونية حديثة و متكاملة و مندمجة، تجعل من المقاولة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية.

و لهذه الغاية، أصدرنا توجيهاتنا للإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، و إصلاح مراكزه الجهوية، و تمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها على أكمل وجه، و وضع حد للعراقيل التي تحول دون أدائها للدور المنوط بها.

كما ألححنا في أكثر من مناسبة على ضرورة تبسيط مساطر الاستثمار، و تحيين برامج المواكبة الموجهة للمقاولات، و تسهيل ولوجها للتمويل، و الرفع من إنتاجيتها، و تكوين و تأهيل مواردها البشرية.

حضرات السيدات والسادة،

إنه بقدر ما تعتبر العدالة من المفاتيح المهمة في مجال تحسين مناخ الاستثمار و شجيع المبادرة الحرة و حماية المقاولة، فإن القضاء مدعو للقيام بدوره الأساس في مواكبة هذا المسار، و استيعاب تحديات الظرفية الاقتصادية العالمية، و المناخ الاقتصادي الوطني.

و  من هذا المنطلق ، قامت المملكة المغربية بإقرار مجموعة من النصوص القانونية الحديثة و المهيكلة، الهادفة إلى تطوير منظومة المال و الأعمال، و تشجيع الاستثمار، و تنشيط الدورة الاقتصادية، و دعم المقاولات الوطنية، و جعلها رافعة للتنمية الاقتصادية.

و نخص بالذكر هنا، بعض النصوص الهامة، التي تم اعتمادها مؤخرا، كتعديل مدونة التجارة، و قوانين الشركات ، و كذا القانون المتعلق بالضمانات المنقولة، فضلا عن تكريس مقاربة تخرج القاضي من الأدوار الكلاسيكية إلى أخرى ذات أبعاد اقتصادية و اجتماعية، و تضمن تحقيق أمن المقاولة و السلم الاجتماعي داخلها، عبر إقرار التوازن الموضوعي بين حقوق الأجراء و أرباب العمل.

و هو ما ساهم في تعزيز مكانة المغرب، كبلد يحظى بالثقة و المصداقية لدى المستثمرين الأجانب، و مختلف الفاعلين الاقتصاديين و الماليين.

و لايفوتنا التأكيد على أهمية القرارات المبدئية الصادرة عن القضاء المغربي في هذا المجال ، و خاصة محكمة النقض ، و التي سعت إلى إعطاء مصداقية و ثبات و مرونة للمقررات التحكيمية الأجنبية، و كرست الحماية القانونية لبراءات الاختراع و حقوق المؤلف.

و في سياق هذه الإصلاحات التشريعية، و ما أطلقته من دينامية فعالة، فإننا نهيب بالحكومة إلى الإسراع بإقرار باقي النصوص القانونية ذات الصلة، و إعداد النصوص التنظيمية المتعلقة بالقوانين المصادق عليها.

حضرات السيدات والسادة،

إن توفير المناخ المناسب للاستثمار، لا يقتضي فقط تحديث التشريعات المحفزة، بل يقتضي أيضا توفير الضمانات القانونية و الاقتصادية، الكفيلة بتحقيق الثقة في النظام القضائي، و توفير الأمن الكامل للمستثمرين . ومن هنا تبرز أهمية توحيد آليات و مساطر تسوية منازعات الاستثمار، على الصعيد الوطني و الجهوي و الدولي، و تجاوز إشكاليات الاختصاص القضائي الوطني في هذا المجال، عبر إقامة نظام قانوني ملائم، يتوخى تفادي المشاكل و الحد من المنازعات، و كذلك إنشاء هيئات متخصصة في فض هذا النوع من النزاعات، داخل الآجال المعقولة، وتراعي خصوصيات المنازعات المالية و التجارية، وتتسم بالسرعة و الفعالية و المرونة.

و في هذا الصدد، سبق أن أكدنا في خطابنا بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2009، على “ضرورة تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة و التحكيم و الصلح”؛ و هي التوجيهات التي ضمناها رسالتنا لمؤتمركم هذا في دورته الأولى، حيث دعونا فيها إلى مأسسة الوسائل البديلة لحل المنازعات.

و استجابة للرغبة الملحة للمستثمرين، في تبسيط و تسريع المساطر الإدارية و القضائية، فقد تم إعداد مشروع مدونة خاصة بالتحكيم و الوساطة الاتفاقية، في أفق عرضه على مسطرة المصادقة.

لقد مكنت الجهود المبذولة، من تنامي وتيرة الاستثمارات التي تستقطبها المملكة، و تحسن موقعها ضمن مـؤشر مناخ الأعمال (Doing Business) لسنة 2019.

و إننا لنتطلع للارتقاء ببلادنا إلى مراحل أكثر تقدما في مؤشر مناخ الأعمال، و تحسين موقعها بولوج دائرة الدول الخمسين الأوائل في مجال جودة مناخ الأعمال.

حضرات السيدات والسادة،

لقد مر ربع قرن على إحداث المحاكم التجارية في بلادنا، وهي مناسبة سانحة لتقييم هذه التجربة، والنظر في سبل تطويرها، بالعمل على تعزيز المكتسبات، واستشراف آفاق جديدة تستلهم أنجح التجارب عبر العالم، على غرار فكرة محاكم الأعمال، التي بدأت تتبناها بعض الدول.

وترسيخا لهذا التوجه، يتعين إيلاء عناية خاصة للتكوين المتخصص لمختلف مكونات منظومة العدالة، عملا على رفع قدرات المحاكم في إصدار الأحكام العادلة والملائمة، داخل آجال معقولة. وهنا نشير إلى دور المحاكم العليا في توحيد الاجتهاد وتفسير القاعدة القانونية، وهي مناسبة لتثمين الرصيد المهم الذي راكمه القضاء التجاري بالمغرب في هذا المجال، كقضاء متخصص.

وفي نفس السياق، ندعو لاستثمار ما توفره الوسائل التكنولوجية الحديثة من إمكانيات لنشر المعلومة القانونية والقضائية، وتبني خيار تعزيز وتعميم لامادية الإجراءات والمساطر القانونية والقضائية، والتقاضي عن بعد، باعتبارها وسائل فعالة تسهم في تحقيق السرعة والنجاعة، وذلك انسجاما مع متطلبات منازعات المال والأعمال، مع الحرص على تقعيدها قانونيا، وانخراط كل مكونات منظومة العدالة في ورش التحول الرقمي.

حضرات السيدات والسادة،

إن خلق فضاء آمن للاستثمار بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والإدارية والهيكلية، يفرض علينا جميعا اليوم، بذل المزيد من الجهود في اتجاه ترسيخ دولة القانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، ودعم التنبؤ القانوني، وتأهيل الفاعلين في المجال القضائي، وتطوير الإدارة القضائية، وتعزيز حكامتها، من خلال مقاربة شمولية مندمجة، تتعامل مع قضايا الاستثمار في مختلف جوانبها، المرتبطة بالقوانين التجارية والبنكية، والضريبية والجمركية، والعقارية والتوثيقية والاجتماعية، وتستحضر الأبعاد الدولية والتكنولوجية التي تفرضها عولمة التبادل التجاري والمالي والاقتصادي عبر القارات.

وإننا لواثقون، بأن هذا المؤتمر، وانطلاقا من الحضور الوازن للمشاركين فيه، من وزراء وقضاة ورجال القانون والاقتصاد والسياسة، والمال والأعمال، والخبراء والأكاديميين، سيكون فرصة سانحة للتداول في الممارسات الفضلى، وابتكار حلول جديدة وواقعية، ورؤى متطورة، والخروج بمقترحات وتوصيات، ستساهم لا محالة في إغناء مجال الأعمال والاستثمار، وتحسين مناخه وتعزيز دوره، وستشكل موردا ينهل منه المشرعون وصناع القرار والدارسون والمهتمون.

وفقكم الله وسدد خطاكم، وكلل بالتوفيق أعمالكم.

السيد “محمد بنعبد الله” وزير العدل خلال افتتاحيته لكلم بالمناسبة , أشاد بما ورد في الرسالة الملكية السامية الموجهة لأشغال “هذا المؤتمر الدولي”، مؤكدا على أهمية تظافر جهود مختلف الفاعلين في منظومة العدالة ، من أجل الإسهام في المجهود المبذول لخلق فضاء آمن للاستثمار، بكل أبعاده و امتداداته، من خلال اعتماد مقاربات شمولية و مندمجة، تستهدف إجراء المراجعات اللازمة لمختلف النصوص القانونية المؤطرة لمجال المال والأعمال .

 السيد “محمد عبد النبوي” الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض و رئيس النيابة العامة، أكد في كلمته أن أداء قضاء النيابة العامة الذي عرف تطورا و أنه يساير الرفع من نجاعته  تنزيلا للتوجهات الملكية ، و تجسيدا لضرورة تحقيق الأمن القضائي ، إن على مستوى بلورة السياسة القضائية لحماية المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة على المستوى الحماية الجنائية لمجال الأعمال .

 “مصطفى فارس” الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أعرب على المجهودات المبذولة من لدن مكونات السلطة القضائية تنزيلا لجميع التصورات و الفلسفة المولوية مؤكدا على ضرورة دراسة أفضل السبل الكفيلة بتعزيز التعاون الدولي في مجال المال و الاعمال ، و ضمان الاستفادة من التجارب الدولية الفضلى .