رئيس المجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بالجديدة و عضو المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية
للمفوضين القضائييـن ( سابقـا )
تمهيد
تعتبر مهنة المفوض القضائي مهنة حديثة، يتزايد اللجوء لخدماتها، و يتزايد إدراك أهميتها و خطورتها في المشهد القضائي خاصة . لكن هذه المهنة لا تسوق و لا تروج لنفسها كما يجب في المشهد الإعلامي ، للتطبيع الكامل مع المجتمع ، مثل باقي المهن القضائية . لذا نلمس تباينا في النظرة والحكم على هذه المهنة ، وحتى في النداء عليها و على المنتسبين إليها ، خلاف ما هو متأصل في النصوص التشريعية المحدثة والمنظمة لها .
معنا في هذا الحوار الأستاذ “سعيد القرشي” بصفته رئيسا سابقا للمجلس الجهوي للمفوضين القضائيين بالجديدة و عضو المكتب التنفيذي للهيئة الوطنية سابقا ، سنطرح عليه مجموعة من الأسئلة ، للتعرف على مهنة المفوض القضائي عن قرب ، و لتنوير الرأي العام حول مجموعة من القضايا ذات الصلة بالمهنة و دورها في المجتمع.
دكالةميديا24
الأستاذ “سعيد القرشي” ، تتشرف الجريدة بحضوركم معنا في هذا الحوار، و هو مناسبة لإخراجكم عن صمتكم المألوف ، كما هو معروف عنكم، لا تحبون الظهور و تعملون في صمت . لكن الرأي العام تكثر فيه التساؤلات حول المهنة و موقعها في المشهد القضائي خاصة ، و يحتاج للتنوير ، و أنتم أهل له بحكم تحملكم مسؤولية إدارة المهنة أكثر من ولايتين ، فهلا عرفتم بهذه المهنة و إن كانت غنية عن التعريف ؟.
جواب
بداية أشكركم على الاهتمام لهموم المجتمع ، و أشكركم على الاستضافـة ، صحيح ما قلتم أفضل الصمت عن الكلام في الكثير من المناسبات و التي تستدعي الكلام بل الكلام الشبيه بإطلاق الرصاص ، لكن عندما ألتفت لنصائح الأنبياء و الحكماء و أتدبرها ألوذ إلى الصمت . مأثور في السنة النبوية الشريفة عن الرسول ص حديث ” إذا تكلمت قل خيرا أو اصمت” و مأثور عن عقلاء المغرب في عمق التاريخ ”سيأتي زمان تصبح فيه كلمة الحق غير مرغوب فيها على القائل أن يمتطي جواد أسرع يقولها ويمضي مسرعا”. و الحال هكذا، قديما قالت العرب ” خير الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ” سأقول بهذه الجلسة القليل المفيد إنشاء الله تعالى.
تعد مهنة المفوض القضائي ببساطة ، تلك المهنة المحدثة من طرف الدولة لتنوب عنها في قطاع التبليغ والتنفيذ كخدمة تقدم للمجتمع، وهي من مسؤوليات الدولة وواجباتها تجاه المواطن، تفويض الدولة هذا القطاع لهذه المهنة الحرة هو منطلق مشروعية التسمية بالمفوض، معناه المفوض له من طرف الدولة.
ومعلوم أن الدولة سابقا كانت تدير هذا القطاع بواسعة موظفيها العموميين ” كتاب الضبط ” فتمت خوصصة القطاع، وأسند لمهنة حرة تتخصص فيه بتفويض من الدولة.
دكالةميديا24
عمرت المهنة لحد الآن بالمغرب حوالي 28 سنة كاملة ، فهل استطاعت أن تتبوأ مكانتها الطبيعية في المجتمع كباقي المهن ، مثل مهنة العدول و الموثقين و المحامين و التراجمة…؟
جواب
المهنة حديثة حتى في التشريع الدولي، فمهدها بفرنسا منذ سنـة 1808، و كانت تونس سباقة لإدخال المهنة إلى منظومتها التشريعية و القضائية منذ سنـة 1957، أما الجزائر فبحكم النوايا الإستعمارية لإلحاقها بالتراب الفرنسي، فقد جاءت فرنسا بالمهنة للجزائر على ظهر الدبابة، إلى جانب نظامها القضائي، لكن همت الفرنسيين المستوطنين لأرض الجزائر فقط، وما أن أخرج الجزائريون بمساعدة إخوانهم المغاربة المستعمر الفرنسي، حتى أتبعوهم نظمهم ومهنهم، وحكموا ما كان معمول به قبل دخول الاستعمار. وفي سنة 1990 عادت المهنة للجزائر بقوة كالثورة، مكنت لها الدولة الجزائرية بقوة في المجتمع، وهي اليوم ذات صيت حسن في العالم العربي وحتى الغربي. فطن له المشرع المغربي مبكرا، أما المغرب فمعروف أن الاهتداء للحدو حدو فرنسـا، فطن له المشرع المغربي مبكرا. أدخل المهنة للتشريع المغربي سنة 1980 بمقتضى القانون 41/80، لكن المشرع المغربي كعادتـه لا يحب المغامرة والقفز من الأعلى، ظل ينتظر ويترقب عقدا من الزمن، ولم يتسن الشروع الفعلي حتى سنة 1990 بالتدريج بالمحاكم، الرباط والدار البيضاء أولا، ثم امتدت التعيينات العشوائية، لا تكوين ولا تدريب ولا حيطة ولا حذر، وكأنه أريد للجنين ولادة بدون رعاية، كنوع من الطيور لما يظهر لها صغار تسقطهم من الشجرة وتتركهم يصارعون الموت من أجل الحياة، يبقى القوي القادر ويختفي الآخرون كل على شاكلته. ولعل عدم الاهتمام بارز من التشريع، حكم المهنة قانون 80.41 منذ سنـة 1990 حتى سنة 2006، وأحدث المشرع تعديلا بسيطا بالقانون 81.03، وهو المحكم لليوم منذ سنة 2006، ومنتظر تعديل ثالث مصاحب لموجة الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، التي قاداها وزير العدل المصطفى الرميد بالحكومة السابقة، والمنتظر منه ليس عميقا في التغيير، وكنت من مقترحي بعض نصوص مشروعه ومن المطلعين على مواقف القوى المؤثرة في صناعة التشريع، سيكون الترقيع ما شاء الله أن يكون، والله أعلم بالقادم.
وحيث التشريع مؤثر في شكل ومضمون المهنة، مكنت هذه الأخيرة لنفسها بالمجتمع وفق المقاس المراد لها وفي حدوده وفي غفلة من المنتسبين إليها بوعي وبغير وعي.
دكالةميديا24
هل نجح المشرع المغربي أم فشل، في حل ما تواثر نعثه بمعضلة التبليغ والتنفيذ، باعتماده على المهنة الحرة الممثلة في المفوض القضائي في التبليغ والتنفيذ، بديلا عن القطاع العمومي الممثل في كتابة الضبط والسلطة المحلية والدرك الملكي والشرطة … ؟
الجواب
النجاح نسبي ومحدود، والنجاح الباهر مفتاحه بيد المشرع نفسه، وهو مطلع على كل التجارب في العالـم، ويدري أين يكمن تمام النجاح. مرت فترة من عمر المهنة حالكة الظلمة، يتذكرها من وجدوا أنفسهم فيها كمن يتذكر فترة ما سمي بسنوات الرصاص. أخطأ المشرع لما أطلق صفارة انطلاق اللعب بساحات المحاكم، بعدد بلا عتاد ولا استعداد، فأرقت البداية المسؤولين القضائيين تلك الفترة. بكل صدق يتذكر معظم هؤلاء، الجيل الأول من المهنة بكل احترام وتقدير، أداروا الحلبة بحكمة حتى مرت الفترة الحرجـة وتسللت المهنة لواقع العدالة، كالجندي الذي يتسلل في جنح الظلام لمعسكر غير معسكره يستطلعه فاستقر به، بغير اختيار منه ولا إرادة، استأنس على مضض ومكن لأحلامه…
أعذرني، يأخذني المجاز كثيرا ، أريد أن أرتقي بالقارئ لينشغل بفهم المراد، ولا أفضل المعلومة السطحية الجافـة، فهي متوفرة في الأسواق. أواصل وأوضح، أن المواطن استأنس بالمهنة وأصبحت ملجأه الأول في العديد من أغراضه وحاجياته، يحتاجه في التبليغ بكافة أنواعه والمعاينة وتنفيذ الأحكام، وإن أريد عنادا استمرار القديم يعمل إلى جانب الجديد، فقد تناسى المواطن القديـم بالتدريـج وألف الجديـد، وأصبح منه أقــرب واللجوء إليه سهلا ميسرا، وعلى عكس صناع القرار والقوى الضاغطة لتستمر ازدواجيـة الطرق، العام يعمل إلى جانب الحر، والدريعة سؤال ما العمل إذا أضرب غدا القطاع وشل إنتاج التبليغ والتنفيذ؟
حق أريد به باطل، وما العمل إذا أضرب العدول والموثقون؟ ألا تجدر الخشية نفسها من شلل التوثيق؟ وما العمل إذا أضرب المحامون؟ ألا تجدر الخشية من شلل الدفاع؟ وما العمل إذا أضرب كتاب الضبط؟ ألا تجدر الخشية من شلل تدبير الإجراءات والجلسات؟ مسكين المفوض القضائي، وحده الذي تنعدم الثقة فيه، ويخشى من تمرده ويحتاط من غضبه وقومته !.
الأستاذ سعيد القرشي، الحديث معكم ذو شجون، والحوار ممتع، ويبدو أن البئر عميق، سنجلب منه للرأي العام معلومة ثمينة، لذا سنخوض معكم حول المهنة في حلقات، كي لا نطيل على القارئ، ويبدوا أننا ما زلنا في البداية والتمهيد لما هو أهم وطنيا ومحليا حول المهنة. نكتفي بهذا القدر هذه الجلسة وشكرا لكم.
