أب الدكتور عبدالنبي عيدودي ذاكَ المُحاربِ القديم

أب الدكتور عبدالنبي عيدودي ذاكَ المُحاربِ القديم

                      عيدودي عبد النبي

“قال لي أبي إن حبَّ الوطن **أمانةٌ كبيرةٌ على مر الزمن”

هذا البيت الشعري البسيط البليغ يربطُ حاضري بماضيَ، ويجعلني لا أَكُـــفُّ عن تأمل أمْسِي البعيد، والتطلع، في نفس الآن، الى المستقبل، بأملٍ وتفاؤلٍ لا يتنافيان مع الحذر الشديد.

جلستُ أتأمل شريط حياة أبي: ذاك المحارب القديم الذي أفنى زهرة شبابه ومعظم سنوات عمره في الدفاع عن تراب الوطن ووحدة الوطن، مُستبسِلاً في الذود عن رماله الذهبية، من عام 1976 وحتى سنة 2003، في تخوم صحرائنا المغربية العزيزة.

تأملتُ ذاك المسار المهني/الوطني الحافل الذي بصم عليه والدي، نائلا عن جدارة واستحقاق عددا من الأوسمة ومثلها من الشهادات الحربية التي تُثبتُ كفاءته، التي لا جدال فيها ولا ريب يَطــالُهَا، في التعامل مع كافة أنواع السلاح السائدة حينها.

وروحي هائمةٌ في بحر التأمل الجميل، حَضَرَتْــني قصته التي كان يحلو لوالدتي أن ترددها على مسامعي كلما أُتيحت لها فرصةُ ذلك، وكانت كل مرة ترويها تقع في وجداني موقعا طيبا وكأني أسمعها لأول مرة… حكت لي أمي دائما كيف استجاب الوالدُ سريعا إلى نداء الوطن، مُــلَبــِّــيــاً، بتلقائية وانشراح وافتخار، نداءَ الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله وطيب ثراه، بعد المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975، لأجل الانخراط والتجند ضمن صفوف القوات المسلحة الملكية الباسلة.. .. حينها كنتُ جنيناً ما أزال أتشكل في أحشائها، قبل أن أرى النور في شهر مارس من سنة 1976….لا شك في أنَّ نسماتِ الهواء الأولى التي تنفستُها كانت مُحَمَّلَةً بِعــَــبَــقِ الوطنية والشجاعة والولاء… والإقبال على خدمة تراب هذه الأرض الطيبة: المملكة المغربية الشريفة.

ها أنذا أستحضر يا أبي غيابك الطويل ذاك، مع كل ألمه ووجعه… لقد عشتُ طفولتي مترقبا على الدوام إطلالتك بمناسبة عطلاتك المهنية البعيدة المتباعدة….وكان ذلك مؤلما وقاسيا وحزينا وعَصِيًا على التحمل من قِبَلِ فتًى طَــرِيِّ العود لا يعرف حينها من الحياة سوى اللهو بما تُنتجه الأيادي الغضة، أو اللعب بالتراب… مُنتظِرا عودة أبيه ليغمره بتلك العاطفة الأبوية الجياشة وبذاك الدفء المُــدَثَّــرِ بِرِدَاءِ شخصيةٍ قوية تنطوي على حنانٍ استثنائي وحُــنُــوٍّ لا مثيل له .

وكان الوالد يأتي دوما… وكانت عودتُه في كل مرة عيدا بِــحَــدِّ ذاته، وإذا تصادفت مع عيدٍ ديني أو وطني.. يصير العيدُ عيدان…. يعود فَــيَــقْــتَـنـِي لذاك الطفل الذي كُنتُهُ ملابسَ العيد ولوازم الدراسة والهدايا التي من بينها تلك الدراجة الهوائية التي إن نسيتُ لن أنسَ فرحتها العظمى…

في كل إجازة يقضيها معنا، أمي وأنا، كان يحكي لنا، في ما هو مُباحٌ مهنياً للحَكْي، عن بطولات الجيش المَلَكي المغربي، وعن صبر وشجاعة وصمود وذكاء وولاء ووفاء جنودنا البواسل، دفاعًا عن الوطن الذي علمني بذلك كيف أحضنه بين ضلوعي وأضعه في عيوني وأخدمه بحياتي وأُخْلِصَ له بضميري ووجداني… ولا زلتُ، بصفة خاصة، أتذكر كيف كان يروي بشغف وتفاعل عن التماسك الذي كان سائدا بين الضباط وكبار قواد الجيش، وعن الارتباط الوثيق المتين للجميع بالملك والعرش…وعن الاستعداد الفِطري لكل أفراد قواتنا المسلحة من أجل التضحية بالنفس وبذل الغالي والنفيس في سبيل عزة الوطن …ووحدة التراب…وفي سبيل نُصرة البلاد وإعلاء شأنها….بولاءٍ كامل وصادق وقوي للملك المُفدَّى.

تلك الحكايات العظيمة التي كنتُ أسمعها وأتذوقها وأتمثلها… زرعت بقلبي حبا لامتناهيا لهذا الوطن، ونقشت بعقلي حبا، لايزال محفورًا في ذاكرتي، للملك الراحل الطيب الذكر الحسن الثاني رحمه الله وطيب الله ثراه … حتى أنه صار يُجسد بالنسبة لي، معنويا، مقامَ الأب في غيابه وحضوره… فلا تزال رائحة والدي ممزوجةً، في ذاكرتي، بخطابات الحسن الثاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. ومعها شق هذا القلب بمعاني الحب للوطن، والتعلق بالأرض، والولاء للعرش، والافتخار بالأب العظيم والرائع دوما: عبد الهادي العيدودي بن بنعيسى بن حمان.

ها أنا ذا أستحضر تلك المراسلات التي كانت بيني وبينه، وأتذكر جيدا معها عنوان المراسلة: الفيلق الأول، الفرقة 8 للمشاة الآلية، اسمارة… ولا تغيبُ عن الذكرى جمالية خطه المُرَصَّعِ الحروف، وهو يكتب لي عبارته المُحببة إلى قلبه: (كل شيء جميل يا بني)… إنها فعلا جملة اخترقت دواخلي ولا تزال ساكنةً في الفؤاد، وظلت تدفعني، في كل لحظات حياتي، نحو التفاؤل والأمل، ونحو العمل والاجتهاد والتدافع بالحسنى، في هذا الوطن الجميل حقاًّ .

أتأمل الآن: كيف مرت 27 سنة من عمري بعيدًا في أغلب الأوقات عن أبي؟ لقد مرت فعلا مثل برقٍ خاطف! ؟ وكيف قضى هذا الرجل الشهم الكريم المعطاء المِقدام 27 سنة، بالتمام والكمال، حاملا السلاحَ بالصحراء المغربية، ثم أُحيل بعدها على تقاعدٍ معنوي حافل بزخم الفخر قيمته المادية تساوي 2570 درهما شهريا؟ ليتفرغ بعد ذلك للمسجد، حتى حفظ كتابه الله كاملا، دون كلل أو ملل.

قال لي يومًا وعيناه متلألئتان ومغرورقتان بدمعٍ عَصِيٍّ على الانهمار: “لقد ذهبتُ إلى الحرب وأنا ابن الثامنة عشرة سنة تاركا وراء ظهري أبي و أمي ولا أبناء عندي حينئذ.. فَعُدتُ وأنا ابن الخامسة وأربعين عامًا وعندي أربعة أبناء.. دون أن أجد أبي وأمي”. لقد كان الموقف صعبا، وكان المشهدُ شديدًا ومؤثراً ….والمؤكدُ عندي أن الأمر تطلب وقتا طويلا وجُهدا جهيدا حتى يتخلص والدي من جُبَّةِ الأب المحارب ليتقمص دور الأب المدني.. لم يكن الأمر سهلا، لكنه نجح…نجح بشكل باهرٍ ومُبْهِــر.

تلك القيم التي زرع بداخلي، وتلك الحكايات التي رواها لي وأطربت مسامعي وغَذّتْ مشاعري، وتلك المبادئ الجميلة التي حقن بها شراييني، وتلك الأخلاق التي رَبَّــاني عليها، وتلك الأحاسيس التي غمرني بها…. كلها ساهمت بقسطٍ وافرٍ في تشكيلي وإخراجي كما أنا الآن… وكانت كلها حافزا ونِبراسا لي كي أسير قُدُما إلى الأمام، قلما ألتفتُ إلى الخلف إلا على سبيل الاستفادة من عِبَر الماضي ودروسه، لا غير.

كلماتُ والدي شكلت بالنسبة لي قدوةً ومِثالاً…وكانت دافعا قويا لي لأسعى جاهدا نحو مزيد من الارتقاء العلمي والعملي… لعلي أكون في مستوى انتظاراته وتطلعاته، ولعلني أعوضه قليلا عن شبابه الذي أفناه لسببٍ وجيه وجدير… ولعلني أجبر خاطره الذي تحطم بغيابه الطويل عن فلذات أكباده .. وعسايَ أجزيه خير الجزاء عما قدمه من تضحيات جسام في سبيل وطننا الحبيب… وكم كانت فرحتي كبيرة في كل مرة تمكنتُ فيها من إدخال البهجة والسرور على مُحَيَّاه بما أُهْدِيهِ له من عملٍ أو نجاح … في العلم أو في العمل .. أو في شكل دعمٍ ومساندةٍ لأشقائي وَهُمْ يخوضون معركة حياتهم الدراسية !!

طال ولّذَ تأملي…حتى انتهى بي المطاف إلى أن أقول لنفسي مع نفسي: “مهما فعلت، ومهما صنعت، ومهما قدمت لهذا الوالد البطل…. لن أستطيع أبدا أن أفِيَهُ حقه.. بل حتى لو حزت له الدنيا بحذافيرها لن أتمكن من تعويضه عن ذلك الإحساس العميق بذاك الغياب الطويل…عن أمه وأبيه .. حتى أنه لم يرجع إلا بعد غيابهم الأبدي … لا يمكن أبدا أن أعوض هذا الأب الصالح الصادق عن ما ضاع منه: رؤية أبنائه يكبرون، وفرحة العيد، والحق في الوداع الأخير للأحبة الذين توفاهم الله… وأشياء وأشياء وأشياء لا تُعد ولا تُحصى في تفاصيلها… حُرم منها جميعها وهو تحت الحر والقر مرابطٌ مع فرقته وفيلقه وزملائه الأشاوس..
إنما عزائي، كل عزائي، أنَّ لم يكن وحده، وأن هذا الإحساس المشترك تتقاسمه جميعُ الأُسرة العسكرية التي رابطت، وترابط، في الصحراء المغربية الحبيبة، مُدافعةً عن الوحدة الترابية للمملكة…
لا يسعني، في الأخير، سوى أن أقول: “تحية عالية نابعة من القلب والضمير إلى كل المحاربين، قُدامى وحاليين، ولأزواجهم وأبنائهم وبناتهم… “. والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده. والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.