قراءة نقدية لقصيدة(نسيان) للشاعرة نعيمة مفيد من طرف محمد المؤذن عميد أكاديمية كازابلانكا الدولية للثقافة والفنون والتراث الشعبي

من خلال العنوان ؛ وهو جملة اسمية مركبة من المبتدإ المحذوف (اسم الإشارة هذا) والخبر (نسيان) تقديرها (هذا نسيان) ؛
ولفظة (نسيان) الواردة في العنوان اسم نكرة معبرة عن نسيان جزء يسير من ماضي الشاعرة وليس النسيان المطلق (المعرف بأل التعريف) المعبر عن النسيان الكلي للماضي والتاريخ (فقدان الذاكرة) أو (الجنون) باعتباره عدم القدرة على التذكر المسترسل .
فهو نسيان براغماتي ؛ المقصود منه التخلص من ذكريات ترتبط بفترة من ماضي الناصة (المبدعة للنص) قد يؤدي تذكرها – باستمرار – إلى ضرر بصحتها النفسية والجسدية ؛ مادام الإنسان في حاجة إلى النسيان لتحقيق حياة متوازنة بإقامة توازن بين الذاكرة والنسيان ؛ حين يصبح النسيان وسيلة علاجية وقوة محققة للتحرر من ذكريات سلبية .
وبعد العنوان ؛ ومن خلاله تقودنا القراءة الضمنية ؛ والعلاقة الجدلية بين ثنائية الذاكرة والنسيان المبنية على المنطق للوصول إلى بعض الموتيفات الأساسية الفاعلة ؛ التي نتج عنها هذا النسيان (عنوان القصيدة) معتبرين أن الذاكرة والنسيان – معا – ظاهرتين محققتين للتوازن النفسي ؛ وهما – معا – يشكلان أساس التعلم واكتساب المعارف .
إذن ما هو الشيء المنسي من ماضي الناصة ومن تاريخها الذاتي ؟
وما هي الموتيفات المساعدة على نسيان هذا الجزء من ماضي الناصة ؛ والذي لها القدرة على نسيانه وعدم تذكره ؛ أو بهذا النسيان حققت ذاكرتها السعيدة ؟ باعتبار أن تحقيق الذاكرة السعيدة من جهة ؛ وتحقيق التحرر من جزء سلبي من الماضي ؛ والاستقلال الذاتي من قوة ضاغطة من جهة ثانية .
تقول الشاعرة :
كف القلب عن حب من يهوى
وأصبح خال من الجوى
صحا من سكره ووعى
فالشاعرة تصرح بأن قلبها توقف – بصفة نهائية – عن حب من يهوى (شخص معشوق) ولم يبق فيه أثر للجوى ؛ بعد وعي وصحوة من سكر ؛ ونرى الشاعرة تربط الكف عن الحب بالقلب (الفؤاد) وهنا نتوقف عند كلمة القلب – مضطرين – ما دمنا في إطار القراءة الضمنية والمنهج الدياليكتيكي ؛ إذا نحن اعتبرنا أن القلب الوارد في القصيدة هو الفؤاد ؛ والفؤاد في نظر الباحثين في اللغة وعلوم القرآن والتفسير هو العقل ؛ كما جاء في القرآن الكريم : (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) أي لمن كان له عقل باعتبار أن العقل وسيلة للتذكير ؛ والقلب كذلك مصدر للمشاعر الوجدانية من حب وكراهية وفرح وغضب وسعادة وطمأنينة ؛ وعطف وحنان وضجر وجفاء .
وهنا نستنتج أن القلب الكاف عن حب من يهوى وعن الجوى ؛ لم يكن في لحظة الحب (فترة الولادة) ذلك الفؤاد العاقل المفكر والمتفكر – بتعقل – في طبيعة هذا الحب الرابط بينه وبين الشخص المعشوق ؛ وإنما كان قلبا خاضعا لسيطرة الجوارح والعاطفة ؛ دونما إعمال للعقل للتعرف الكامل والتام على الطرف الثاني (الشخص المعشوق) في غيبة الوعي الناتج إما عن إغراء أو إعجاب بمظهر وإخفاء حقيقة .
ونظرا للدلالة التي تحملها كلمة (الجوى) – من جوي بفتح الجيم وكسر الواو ؛ مضارعه يجوى بتسكين الجيم وفتح الواو – المعبرة عن شدة العشق ؛ المورثة والمؤدية إلى الحزن والألم . ولعل هذا الجوى بهذه الدلالة أصبح يشكل خطرا على الصحة النفسية والجسدية للعاشقة – خاصة وأن هذا الشخص خيب الظن ولم يكن في المستوى الموجب للحب الطاهر المقدس ؛ وإنما ارتبط بها بعد غفلة وغياب لرجاحة عقل ؛ اعتبرته سكرا مؤقتا متبوعا باستفاقة ويقظة من غفوة .
لكن سؤالا حفيدا يتولد من جديد من صلب السؤال الأول ؛ هل تذكر هذا الحب البالغ درجة الجوى بالدلالة المذكورة ؛ يعتبر نسيانا ؟
ألا تعتبر مخاطبة المعشوق بضمير المخاطب المذكر تذكرا تاما وكاملا لجزء من الماضي بطله شخص معشوق غير مرغوب فيه ؟
كف القلب عن الهوى وتاب
وأصبح لا يرغب في عتاب
لا تحسب أني على فراقك نادم
والقلب لازال في غرامك هائم
ففي هذا المقطع تأكيد لتذكر جزء من الماضي يرتبط بالشخص (المعشوق) المقصود نسيانه ؛ فدلالة الفعل (تاب) وارتباطها بالتوبة أي التوقف عن القيام بالفعل الضار بعد ندم وإقرار بعدم فعله من جديد ؛ وعدم القدرة على تحمل العتاب ؛ وأن الانفصال بالبعاد الجسدي والروح ليس بعده ندم وشرود للقلب ؛ ولا وجود للحب والهيام . كل هذه الموتيفات تعبير مؤكد لتذكر أزمة عشقية تسعى الناصة (الشاعرة) نسيانها بشكل مطلق ؛ وهنا يتأكد لنا الفعل المقصود وهو (تناسى) من (التتاسي والتجاهل) الإراديين لسبب قاهر منطقي موضوعي أو ذاتي .
وهذا المقطع من القصيدة يعبر عن وجود علاقة عشقية قوية في مرحلة زمنية انتهت وأريد لها ألا تستمر .
ودعت السهاد في ليل قائم
انطفأ حر الصبابة والوجد
فأصبح سيان عندي قربك والبعد
تداوى القلب من ألم الصد
أبدعت قلبي وقلت تمهل
وكنت به غير أهل
فضيعت الحب والأمل
أصبح وأسامح بلا حدود
ولكن إن رحلت لا أعود
مقطع مجسم لجفاء وتناس إرادي مطلق ؛ وتذكر لجزء من ماض مؤلم مع شخص لا يستحق كل هذا الحب الطاهر المقدس الذي كان من طرف واحد (العاشقة) صاحبة القلب الكاف عن الحب والخالي من الجوى ؛ وفي هذا المقطع تحرر للذات وتحقيق لذاكرة سعيدة تنسى وتتناسى كل الذكريات السلبية :
توديع السهاد ؛ والنوم في طمأنينة ؛ فلا صبابة بمعنى حرارة الشوق ؛ ولا وجود لوجد بمعنى الحب المرتفق للتعاسة ؛ هو حب ضائع بسبب منح قلب لشخص لا يستحقه ؛ فكان التناسي بعد كثير من التنازلات والتسامح لكن العودة مستحيلة بعد الرحيل .
ولعل ما يؤكد هذا التناسي الإرادي الذي قادتنا إليه القراءة الضمنية والتفكير الدياليكتيكي المبني على المنطق حتى لا نقول (نسيان) الذي لن يكون إراديا ؛ هو التحول الجنسي الروحي للناصة وليس الجسدي ؛ حين جعلت من نفسها مخاطبة ذكرا وهي لم تقم بذلك رغبة في إخفاء هويتها وطبيعتها الأنثوية أو هروبا من التصريح بحقيقة مرة ؛ لكنها فعلت ذلك لتجرد نفسها من الأنوثة ومن خصوصيات المرأة الأنثى العاشقة لرجل ذكر لا يستحق هذه الانوثة وهذا الجمال وهذا القلب الكبير ؛ كانت تخاطب بصفة الند للند ؛ الرجل للرجل ؛ الذكر للذكر .
القصيدة في بساطتها على مستوى المعجم اللغوي ، والنظم (التعالق بين الألفاظ) ليست منحصرة في مجال ضيق (عالم الحب والجفاء والانفصال) لكنها قصيدة تحيلنا على ظاهرة أكبر حجما من ذلك وهي النسيان ؛ وهو التخلص من جزء من الماضي ومن التاريخ ؛ أصبحنا في غنى عنه ؛ وهذا النسيان ضروري لتحقيق التوازن النفسي الفردي .
فباعتبار الإنسان كائنا اجتماعيا غير قادر على النسيان المطلق (فقدان الذاكرة) التي يمكن للحيوان الذي يتذكر حاضره فقط المستمر بلا تاريخ أن يعيش في سعادة بدون تذكر للماضي .
النسيان أصبح ضرورة محققة للسلم الاجتماعي حين يتم نسيان بعض الأحداث وقعت في الماضي أدت إلى تسميم العلاقة بين الطبقات الاجتماعية كانت سببا في قيام حروب أهلية في وطن معين ؛ ومحققا للسلام العالمي حين يتم نسيان ماض وتاريخ يشهد بعهد قامت فيه حروب طاحنة ؛ وبداية عهد جديد مبني على التسامح والتعايش والسلام .
العالم نسي الحرب العالمية الأولى والثانية ؛ هدم جدار برلين وتم نسيان ماض أسود بين الألمانيتين ؛ العالم يعيش عهد العولمة والتكنولوجيا والإبداع ؛ باعتبار الإبداع أساس التقدم والفارق بين الدول المتقدمة والمتخلفة والسائرة في طريق النمو ؛ يتجلى في مدى امتلاك هذه الدول للعقول المبدعة المبتكرة ؛ فليس في التذكر المطلق للتاريخ كله والماضي كله مصلحة ضرورية لتحقيق التقدم للرباعي (الاقتصاد – السياسة – الاجتماع – الثقافة) ففي نسيان السلبي من ذكريات الماضي وتسجيل التاريخ سلام وتقدم وازدهار وتعايش .
ومما جاءت به القصيدة – بشكل ضمني – جانب أخلاقي إسلامي تجلى في مفهوم التوبة وهي الإقلاع عن فعل المعصية بعد ندم والعزم على عدم العودة قال تعالى في سورة البقرة 37 :
(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) .
والقصيدة في عموميتها تعريف بالحب الطاهر المبني على الوفاء والإخلاص ؛ البعيد عن المصالح الشخصية ؛ بل هو تبادل نفس المشاعر الوجدانية . والحب بين الأفراد والجماعات والشعوب والأمم هو الآخر ضرورة لتحقيق السلام .
على المستوى البناء الشكلي هناك إيقاع محقق بالوزن والقافية ؛ وإن كانت القصيدة بالنثر ليست موزونة على بحر من البحور الشعرية الفراهيدية . لكنها في مستوى الروعة مبنى ومعنى .

محمد المؤذن عميد أكاديمية كازابلانكا الدولية للثقافة والفنون والتراث الشعبي