أندلسيات الصويرة مابين حوار الثقافات ومتاهات الإسلام السياسي

                             محمد دخاي

من بين ما نوقش ويناقش دائما على هامش  أندلسيات الصويرة في  رمزيتها  الإنسانية والثقافية و تجلياتها الباحثة عن التسامح والتعايش الذي انفردت به مدينة موكادور على تاريخها الموسوم  بمعاني الإنسانية  إيجاد صيغة للتقابل الموجود ين العروبة والإسلام من حيث التقارب السياسي والذي شكل هاجسا للعديد من الكتابات التي تتفق جميعها على  أن أخطر الانقسامات التي عانت منها الحركة الوطنية في الأقطار العربية ، هو الانقسام بين التيار الوطني العلماني، وبين تيار الإسلام السياسي الذي اتسع وعمق خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة، بظهور دول التحرر الوطني ، وبما سلكته هذه الدول من الإبعاد والإقصاء شبه الكامل للتيار الإسلامي.

فرغم كافة التحولات السياسية الاقليمة والدولية التي أثرت في الواقع السياسي العربي والإسلامي والتي استدعت ضرورة تلاحم كافة  القوى المؤثرة للتصدي لهجمة يراها العض مواجهة لماضي ومستقبل الأمة على السواء فان الصراع بين القوى المنتمية للتيار العروبي والأخرى التي تعتبره خروجا عن المنطلقات  الحضارية الإسلامية التي تستند إليها الأمة وهو ما أعطاها الشرعية لإضفاء صبغة الإسلامية  على الحركات الوطنية العربية عامة وخاصة في  البلاد التي تعرف حضور المكون المسيحي في الشرق العربي بينما يتم تغيب المكون اليهودي في مكون الحركة الوطنية في المغرب لأسباب غير معروفة.

بعد نكسة العباءة الإسلامية للحركات الوطنية العربية منذ 1919 بعد سقوط الخلافة العثمانية، بقي البحث عن شرعنة الحضور السياسي للحركات المحلية يأتي من خلال انقسامها على أساس قومي لتقوم فرنسا وانجلترا بتقسيم ديني مذهبي لان الجماعة السياسية عندما تقوم على أساس ديني مذهبي يثار العنصر القومي كعنصر هدام وعندما يصل إلى أهدافه يثور من جديد عنصر الدين كعنصر لتشتيت الكيانات المنقسمة أصلا، فإذا توجه الإسلام ضد الاستعمار أثيرت النزعة القومية لتشتيت حركته والعكس صحيح.

كان لزاما أن اطرح سؤالا مجلجلا يحمل كل معاني البحث عن أفق رؤيا تضع مأزق الإسلام السياسي أمام البحث والتحليل، لماذا لم تستطع داعش مثلا التغرير بأمازيغ الصويرة وسوس مثلا؟   بكل بساطة لان الفكر العروبي فكر قبلي تقليداني وإسلام الجزيرة العربية له خصوصيات تختلف شكلا ومضمونا عن إسلام امازيغ المغرب الذين قدموا اكبر خدمة له من خلال ترسيخ وجود اللغة العربية على أنقاض امازيغية تتردى في موطنها الأصلي كل يوم و هو ما عملت الوهابية على تسويقه وهي خصوصيات لا تلتقي جملة وتفصيلا بخصوصيات الإسلام في صيغته الامازيغية أو الصوفية كما رعتها الزوايا بالمدينة ليكون ما يشبه إسلام بروتستانتي  يحيل الدين إلى محض صلة بين الفرد وربه وهي علمانية إسلامية بمعنى أنها صيغة مثلى تكفل المساواة بين ذوي الأديان المختلفة .

لا يمكن ألا نعترف أن هناك فروقا بين الإسلام والمسيحية واليهودية مما من شانه أن يغاير بين وظيفة العلمنة، فالإسلام واليهودية يتصلان بشؤون الدنيا ويعملان على تنظيمها انطلاقا مما ورد في القران الكريم والتوراة فاليهود عاشوا تاريخهم يحكمون بنظام الشريعة المتصل بالتلمود بينما ابتعدت المسيحية عن السياسة والتي يعترف لها الجميع بمبدأ فصل الدين عن الدنيا في صيغة خطاب العلمانية المتداول علما أن العلمانية هي مذهب ديني وجزء من تاريخ المسيحية اللاهوتي   .

إن التاريخ الأوروبي المسيحي عرف نوعا من السلطان الدنيوي للكنيسة ولرجال الدين فكانت العلمانية كرد فعل لمقاومة ذلك من خلال الحضور الرمزي للسلطة الدينية المرتبطة بالبابوية الكاثوليكية في القرون الوسطى.

فهل تستطيع الوهابية ادن بفكرها القبلي البدوي أن تقبل بالأندلسيات في صيغتها الحالية وان تقبل باستعادة أماكن عبادة اليهود في مدينة دخلت تاريخ التراث الإنساني وتعيش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون إخوان على سرر متقابيلن؟  علما ان خطاب الاسلام السياسي كثيرا ما يعمل على استحضار تراكماته الثقافية كأسطورة تتخذ لنفسها موقعا تخييلا لينسج حولها حكايات ترتبط بالسلف الصالح كبؤرة تمركز حولها خيالا استثنائيا يستقطب اهتمامات الوعي والغاء مواقع حضور المسلم العادي وتحويله الى انسان يبني مواقف دينية عوض ارتباطه بالعبادات في افق علاقته العمودية بالإله الى علاقة تقوم على بناء مواقف يومية تحترم الوجود الانساني كمفهوم نسبي.

ان خطاب الاسلام السياسي يستحضر القدسي والميثي le mythique في طرح خطابه للتفعيل لا للتأويل فهو يعمل على نفي الفهم الانساني كفاعل رئيسي بسبب محدوديته في الادراك، وبالتالي فلا مجال للاختلاف فهو ليس حلا مؤقتا ولكنه فكر بديل وخارق وهو اساس الوجود الديني بشكل مطلق ولا يعترف بالتعايش او الانسجام مع الاخر، فهو يرفض لعبة المواقعية وبالتالي تضمحل فكرة الحوار ليصبح المقدس انتكاس للعقلاني وتقويض له في الزمان و المكان.

 باحث بكلية الآداب – فاس سايس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.