فريق الأصالة و المعاصرة: قررنا التصويت بالـرفض على مشروع قانون المالية للسنة المالية 2021 احتراما لمواقفنا الثابتة و المبدئية

قدم، عضو الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة، السيد عادل البيطار، مداخلة في إطار المناقشة العامة لمشروع قانون المالية 2021، يومه الخميس 12 نونبر الجاري، (مداخلة) هذا نصها:

 السيد الرئيس المحترم ؛ السيدات و السادة النواب المحترمين

      يشرفني أن أتناول الكلمة، باسم فريق الأصالة والمعاصرة، في إطار مناقشة مشروع قانون المالية برسم السنة المالية 2021. وقبل مباشرة صلب الموضوع، أود أن أتقدم باسمي وباسم حزب الأصالة والمعاصرة بأسمى عبارات الشكر والامتنان لصاحب الجلالة، الملك محمد السادس نصره الله، على العمل الدؤوب والمضني الذي يفتأ يقوم به منذ بداية جائحة كورونا، بحرص أبوي راقٍ على السلامة الصحية للمواطنين، وعلى التخفيف من معاناتهم خاصة أثناء فترة الحجر الصحي، الشيء الذي مكن البلاد، ليس فقط من امتصاص الصدمة اقتصاديا واجتماعيا، ولكن، وخاصة، مكن المغارب من رؤية النهاية الوشيكة للنفق، عبر بشرى بداية التلقيح في الأسابيع المقبلة، ليكون المغرب بذلك من أولى الدول في العالم، التي ستتمكن من التوفر على اللقاح والحال أن البشرية جمعاء تتسابق لهذه الضرورة الحيوية.

بالنسبة لنقاشنا اليوم، لا بد من التنويه بالأجواء الإيجابية التي طبعت دراسة مشروع قانون المالية، حيث ساهمنا من جهتنا كفريق لحزب الأصالة والمعاصرة ملتزمين بروح الموضوعية بعيدا عن أي منطق قد تشتم منه رائحة التجاذبات السياسية المجانية أو الصراعات الأيديولوجية العقيمة، إيمانا منا بضرورة الارتقاء بعملنا السياسي والتشريعي إلى الاهتمامات الفعلية للمواطنين، حتى يكون لهذه المؤسسة ما تستحق من سمو يعكس شرف تمثيل المواطنين ومسؤولية أداء الأمانة.

أقول هذا، وكما أعلن عن ذلك رئيس الفريق في مداخلته الأولى، لأن هذا النقاش بالنسبة لنا يمتلك رمزية خاصة، كونه إلى جانب وقوفه عند جوهر السياسات العمومية من مدخل التدبير المالي والاقتصادي، فإنه بالنسبة للحزب يعتبر أول محطة سياسية تشريعية كبرى ينخرط فيها بعد مؤتمره الأخير، الذي أردناه لحظة مفصلية في تدقيق توجهاته، وأساليب اشتغاله، وفق سيرورة طبيعية لا تقطع مع الاختيارات والالتزامات السياسية الأساسية، ولا تبخل بالنقد الذاتي الشفاف والبناء.

هذا يعني أن معارضتنا تنصب بشكل موضوعي ودقيق على الاختيارات الحكومية ونتائجها بالنسبة للسياسات العمومية وطرق تنزيلها على أرض الواقع، متوسلين في ذلك بلغة الأرقام لا لغة الألغام، ولغة المصالح الشعبية لا لغة التحايلات الشعبوية، والانتصار للحقيقة بدل تشويه الحقيقة.

 السيدات والسادة،

        يأتي هذا النقاش في وضع يدعو إلى الالتباس بحكم أننا نعيش وضعا هو جزء من أزمة عامة يشترك فيها العالم كله.

        غير أن هذه الأزمة المستجدة لن تكون غطاء لإخفاء أزمات كانت قائمة قبل الجائحة. بل إن أزمات ما قبل الجائحة أثرت بشكل واضح وفاضح على قدرتنا على مواجهة المستجد الصحي، رغم التضحيات الهائلة لكافة الشرائح الاجتماعية، وذلك لأن أولويات الحكومة وأغلبيتها لم تكن دائما تخضع لحسابات الشأن العام بل كانت في الغالب رهينة حسابات الهاجس السياسي المصلحي.

لا نحتاج إلى دلائل ولا إلا أمثلة على ذلك، فهي موجودة بالعشرات، بل إن أكثرها وضوحا وإثارة للاستغراب ما نعيشه منذ أسابيع من نقاش أقل ما يمكن أن يوصف به أنه يستهتر بمشاعر المغاربة. فيما تزداد أوضاع المواطنين سوءاً تفاقمت حدتها مع الجائحة لدرجة أن شريحة واسعة فقدت مصدر قوتها اليومي، لم تجد الحكومة وأغلبيتها أفضل من ملء ساعات النهار، وحتى الليل، بصراع بئيس حول القوانين الانتخابية بتفاصيلها المملة التي لا ترقى حتى إلى الاهتمامات الهامشية للمواطن البسيط فأحرى إلى اهتماماته الأساسية.

طبعا لا نعني بهذا أنه لا يجب الخوض في القوانين الانتخابية، بل نقصد تحديدا أنه نمن غير المقبول من موقع المسؤولية الحكومية أن يخلو النقاش العمومي كليا من القضايا الجوهرية والمصيرية، ونحن نشاهد التطورات الحساسة لقضيتنا الوطنية الأولى، والارتباك الخطير للوضع التعليمي الذي يهدد جيلا كاملا من أبناء المغاربة، والبوادر الواضحة للاحتقان الاجتماعي بفعل تسريح العاملين بالجملة، والنتائج المخيفة لسنة فلاحية جافة، والوقوف على حافة الهاوية التي يقودنا إليها ارتفاع المديونية …وعشرات القضايا الأخرى…

إننا نعي جيدا أهمية الخروج بوصفة متوازنة وذات جودة لتدبير الانتخابات، ولكننا نعتبر ذلك من مسؤوليات الحكومة، وأغلبيتها كجزء من أجندة حكومية عامة لا كأجندة وحيدة للحكومة. كما نرفض بشدة أن يتجرأ البعض لحشرنا في هذا النقاش العقيم، بل واتهامنا بكوننا وراء هذا الهذيان الانتخابية، والحال أننا، لا في حزب الأصالة والمعاصرة فقط، بل حتى لدى أحزاب المعارضة الأخرى، عبرنا عن امتعاضنا من هذا التجني المكشوف، وأعلننا رسميا وجماعيا أن المسألة تخص الأغلبية الحكومية، وإن كان هناك اختلاف، فما على الانسجام الحكومي سوى أن يخبرنا إن كان قد حدث طارئ في علوم اللغة وأصبح للانسجام معنى التطاحن، بمناسبة وبدون مناسبة، وكيف تكون مصلحة المواطن هي القاسم المشترك بين مكونات الأغلبية.

السيدات والسادة،

        كما قلت سابقا يجب أن نفرق ما بين أوضاع حالية لعبت فيها الجائحة  دورة الكاشف المعري للعيوب والنقائص، وبين التراكمات التي تمخضت عن السياسات الحكومية طيلة السنوات التسع الماضية. وحتى نكون أكثر دقة وأكثر موضوعية، فإن حديثنا عن تراكمات السياسات العمومية التي أدت إلى ما نعيشه اليوم من تراجع في العديد من المجالات، يلقي بالمسؤولية علل حكومات متتالية، وحين ننظر بعين متفحصة، فإننا ندرك حجم التفاوت في المسؤوليات، تفاوت يضع آخر حكومتين في مقدمة اللائحة، حيث وصلنا مع حكومة السيدين بنكيران والعثماني إلى مستوى أضعف بكثير مما كنا عليه مع الحكومات السابقة، بدءا من حكومة المرحوم السيد عبدالرحمان اليوسفي، مرورا بحكومة السيد جطو والسيد عباس الفاسي، وسآتي إلى توضيح ذلك بالمعطيات الرسمية، لا بتقييم حزب الأصالة، سنترك الكلمة للأرقام التي أنتجتها هذه الحكومات ذاتها عن نفسها حتى لا يفهم من كلامي أن تجن أو مبالغة.

        إن المنطق السليم والبسيط في آن يفترض أن حكومتي السيدين بنكيران والعثماني توفر لهما ما لم يتوفر لسابقاتهما من إمكانيات جاء بها دستور 2011، فبدل وزير أول أصبح لدينا رئيس حكومة، وبدل إدارة موضوعة رهن إشارة الوزير الأول، أصبحت إدارة عمومية يتحكم فيها رئيس الحكومة بصلاحيات واسعة ليس أقلها حيازة قرار التعيين في الغالبية العظمى من المناصب العليا، ناهيك عن كون الدستور أعاد صياغة أدوار وحدود المؤسسات والعلاقات فيما بينها، وأعلى من شأن المسؤولية السياسية الحزبية عبر ربط تشكيل الحكومة بصناديق الاقتراع. ولكن يبدو أن هذا الربط كانت لها أعراض جانبية من قبيل بعض الانتفاخ والحساسية، انتفاخ من خلال المبالغة في الاعتداد بالنفس، وحساسية اتجاه أي نقد، وذلك حين تختلط الأمور ويتساءل الناس إن كانت المعارضة هي التي توجد في موقع التدبير ما دام انتقاد المعارضة والتهجم عليها أضحى بمثابة مهنة للحكومة.

        وعليه، فإن إرجاع الأمور إلى نصابها يستدعي أولا تذكير الحكومة أنها هي من دبرت الشأن العام طيلة السنوات التسع الماضية لا المعارضة، وتذكيرها ثانيا أن رئاسة الحكومة كانت من نفس اللون السياسي طيلة هذه المدة، وأن هذا اللون السياسي كان محظوظا بالتوفر على مدى زمني مسترسل كاف لتحقيق التراكم وإنجاز برامج ممتدة في الزمن، فماذا كانت الحصيلة يا تري؟

        الحصيلة هي بالذات ما يكتوي به أغلب المغاربة اليوم. لقد تقدم زملائي في الفريق النيابي بتفاصيل وافية في هذا الشأن، لخصها رئيس الفريق في كلمات تستحق التذكير بها:

–         تسع سنوات من التدبير الحكومي على خلفية وعود انتخابية غير مسبوقة لننتهي إلى الخلاصة الرهيبة التي كشفتها الجائحة، وهي أن ثلثي المغاربة يعشون بالاقتصاد غير المهيكل. هذه مصيبة بكل المقاييس تختزل وحدها الإجابة الشافية على السؤال التقليدي: لماذا عجز المغرب عن اللحاق بالبلدان الصاعدة؟

–         تسع سنوات من التدبير الحكومي ومن الضجيج والكلام الغليظ والتهجم الدائم على المعارضة وكأنها هي المسؤولة عن التدبير، وفي النهاية اكتشفنا أن مستشفياتنا لم تصمد أمام آلاف من المرضى في بلد ال 36 مليون نسمة.

–         تسع سنوات من التدبير الحكومي والتباهي بالقاعدة الشعبية والقوة الموهومة لنكتشف أن اندماج التعليم في منظومة التكنولوجيا الرقمية يوجد في وضعية بدائية لم يرق حتى إلى مستوى تفاعل المراهقين مع التيكنولوجيا، ما جعل حكاية التعليم عن بعد نكتة مضحكة، بل مبكية في الحقيقة.

–         تسع سنوات من التدبير العشوائي أوصلتنا إلى حالة الرعب من شبح التقويم الهيكلي السيء الذكر بفعل اختيار الحلول السهلة في التمويل، أي اللجوء إلى الاستدانة وتكبيل الأجيال المقبلة بسلاسل الديون وإملاءات الدائنين.

–         تسع سنوات من التدبير وأغلب أنشطتنا خدماتية غير قارة تبخرت بمجرد إغلاق الحدود، فيما الصناعة التي لا يخجل البعض من الافتخار بمنجزاتها لم تتجاوز لحد الآن توطين شركات أجنبية لم يفد وجودها مطلقا في بناء قاعدة صناعية وطنية مغربية.

–         تسع سنوات من الخلط بين الصياح وبين معنى التدبير المسؤول، ولا زالت فلاحتنا مركزية في إنتاج القيمة، ولازال ترقب كرم السماء بالأمطار مرادفا للسياسة الفلاحية.

هل نحتاج بعد هذا إلى التدقيق والتمحيص؟

ليكن. فرغم أن الصورة العامة تغنينا عن الجدال والأخذ والرد، لا بأس من تعزيزها ببعض التفاصيل لأن واقعنا صنعته هذه التفاصيل، ولأن علينا أن نختار، بين مستقبل غامض يحمل كل المخاطر إن استمر نفس النهج، وبين استيقاظ من الأوهام وإنقاذ البلاد من متوالية الانحدار. وسأركز هنا على نقطتين هامتين:

من خلال النقطة الأولى سأحاول المقارنة بين بعض المؤشرات التي تمخض عنها تدبير الحكومات المتوالية، حكومة السيد اليوسفي، حكومة السيد جطو، حكومة السيد الفاسي، حكومة السيد بنكيران وحكومة السيد العثماني، وسأكشف بعض النتائج المترتبة عن تدهور هذه المؤشرات، حكومة بعد حكومة.

وفي النقطة الثانية سأتناول، بالأرقام كذلك نتائج بعض القطاعات والبرامج، وأوجه الاختلالات التي تعتريها، وعلى رأسها البرامج الاجتماعية والقطاع الفلاحي، والقطاع الصناعي، مع التطرق لوضعية وأداء المؤسسات العمومية.

في ما يخص النقطة الأولى، سأبدأ بمعدل نمو الناتج الداخلي الخام، ففي عهد حكومة اليوسفي تحقق معدل نمو بنسبة 4%، حكومة السيد جطو 5%، حكومة السيد عباس الفاسي 4.78%، حكومة السيدين بن كيران والعثماني معدل 3.2% أي أن هناك هبوطا حادا  في معدل نمو الناتج الداخلي الخام مقارنة بفترات اليوسفي، جطو أو الفاسي، ويصل هذا الفرق إلى 18%؛ هذا علما أن الدخول الحكومي الصاخب بعد إقرار الدستور، أتخمنا بالوعود، وبشرنا بتحقيق 7% من الناتج الداخلي الخام بنسبة نمو لننتهي إلى 3.2% كمتوسط نمو ولايتين حكوميتين، أي لم يتم بلوغ حتى نصف الرقم الموعود به.

الأدهى من ذلك أن هذه النسب لم تكن اـخذ منحى تصاعديا بل إنها تأرجحت صعودا ونزولا، ما يعني أنه لم تكن هناك استراتيجية نمو قائمة وواضحة، بل إن الحكومة كانت تحت رحمة التقلبات الظرفية، سواء الطبيعية الجوية أو تقلبات المحيط وانعكاسه على تأرجح الطلب الخارجي، علما أن الحديث عن تنويع الشركاء كان قائما، وأن صاحب الجلالة انخرط شخصيا في ذلك من خلال تعميق علاقات الشراكة مع عشرات البلدان الإفريقية والأسيوية والأوروبية (الصين وروسيا نموذجا). غير أن الحكومة لم تستثمر دينامية الانفتاح تلك، ولم تعمل على اقتحام تلك البلدان من الأبواب التي فتحها جلالة الملك. فهل يعقل أن المغرب وقع ما يناهز ألف اتفاقية مع البلدان الأفريقية بكل أسواقها الواعدة دون أن تضيف من ذلك نسبة نمو ولو بنقطة واحدة؟ هذا فيما شهدت القارة الأفريقية نموا مضطردا يقدم إمكانات شراكات هائلة، خاصة لدى الدول الصديقة، إذ يكفي أن نشير إلى أنه مقابل المعدل الهزيل الذي حققته الحكومة، أي 3.2%، بلغت الكوت ديفوار أزيد من 8 %، رواندا 9%، أثيوبيا 10%.

        ولعل الأهم في أرقام النمو الصادمة التي حققتها الحكومة كونها لا تنسجم مع النمو الديمغرافي الذي عرفته كل هذه السنوات، بما يعنيه ذلك من تضاعف أعداد الشباب الذي يقتحمون سنويا سوق الشغل كي يجدوا في انتظارهم أحضان البطالة. ومهما حاولنا ابتداع أساليب احتساب نسب البطالة، خاصة بالاعتماد على خصوصيات الشغل في العالم القروي، فإن بطالة الشباب بقيت نقطة سوداء طوال هاتين الولايتين. فحصب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط كانت نسبة البطالة سنة 2011؛ 8.9%، لتأتي الحكومة الجديدة بعد ذلك ويبدأ الرقم في الصعود، 9 في المائة سنة 2012 ثم 9.2%، ثم 9.9%، ثم 9.7%، ثم 9.4%، ثم 10.2%، ثم 9.2% ثم 13% مرتقبة نهاية هذه السنة.

وهذا يقودنا للمقارنة بين مختلف الحكومات فيما يخص إحداث مناصب الشغل، فالمعدل السنوي للمناصب التي أحدثها الاقتصاد الوطني، في عهد حكومة اليوسفي أكثر من 80.000، وفي عهد حكومة السيد جطو أكثر من 150.000، وفي عهد حكومة السيد عباس الفاسي أكثر من 120.000، وفي عهد حكومة بن كيران والسيد العثماني 47.000.

ونفس منحى التقهقر عرفته مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى في عهد حكومتي بنكيران والعثماني:

معدل الادخار الوطني السنوي نسب إلى الناتج الداخلي الخام، 25 في عهد اليوسفي، 32 في عهد السيد جطو، 30 في عهد الفاسي، بن كيران وعثماني 27. ما يعني أن هناك هبوطا في مستويات الادخار الوطني في فترة بن كيران والعثماني مقارنة بفترة جطو والفاسي بفارق يصل إلى 15%، وهذا ما نستشفه في الواقع من عدم قدرة المؤسسات المالية والخواص على تمويل المبادرات الاقتصادية واستدامتها رغم ارتفاع الثروة الوطنية بأكثر من الضعف منذ 2003.

مداخيل السياحة 5 ملايير درهم في عهد اليوسفي، 7.7% مليار درهم في عهد جطو، في عهد الفاسي 7.3%، وفي عهد السيدان بن كيران والعثماني 6.4 مليار درهم؛

وفي ما يخص المبادلات الخارجية، رغم اررتفاع الصادرات بأربع مرات منذ 98، فإن الواردات ارتفعت بخمس مرات لدرجة أن عجز الميزان التجاري في حكومة بن كيران- العثماني ارتفع بسبع مرات مقارنة بمرحلة اليوسفي. وإذا أضفنا إلى ذلك اندحار مداخيل مغاربة العالم ومداخيل السياحة على التوالي ب 20% و16%، فإن معدل عجز ميزان الأداءات علة الناتج الداخلي الخام بلغ 5.5%، بعدما كان لا يتعدى 1% في عهد اليوسفي.

وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، سنة بعد سنة نلاحظ تدهورا في جميع مؤشراتها، حيث إن معدل الرصيد العادي نسبة إلى الناتج الداخلي الخام سجل 3% في عهد اليوسفي و2% في عهد الفاسي ليندحر إلى أقل من 1% في عهد حكومتي بنكيران والعثماني، هذا كله رغم استفادة عهد بن كيران والعثماني من أكثر من 60 مليار درهم من مداخيل الخوصصة والهبات مقارنة بعهد الفاسي 6.2 مليار فقط، وجطو 52 مليار درهم، وحتى مصاريف المقاصة لا تشفع لتفسير هذه الأرقام، فمعدل الاستهلاك السنوي على عهد الفاسي يفوق مثيله عند بن كيران ب 20 % وجطو ب 3 مرات. مما لا شك فيه أنه لا يمكن إلقاء اللائمة على الكلفة المادية للحوارات الاجتماعية لسنوات 96، 2003، 2011 و2019 كسبب رئيسي لارتفاع عجز الميزانية لأنه لم يكلف حكومتي العثماني أو جطو أكثر من 3 مليار في العام لينتقل متوسط هذا العجز السنوي من 10 مليار في عهد اليوسفي إلى 45 مليار تقريبا في عهد بن كيران – العثماني، وليقترب من 4.4% بنسبة متوسطة على متوسط الناتج الخام.

وبخصوص المديونية، هناك أرقام متعددة تدل على تدهور مؤشرها، فالميزانية العامة للدولة بالكاد نستطيع تلبية 12% من مجموع مبلغ الاستثمار، فيما نكون مضطرين كل عام إلى أداء 29 مليار درهم أي 10% من الميزانية العامة للدولة كفوائد، وأكتفي برقم واحد مهول وهو تخطينا لرقم 1.000 مليار درهم كدين عمومي عام يشمل دين الخزينة والمؤسسات العمومية والأبناك العمومية والجماعات المحلية.

في موضوع التنمية البشرية، لا زال المغرب في الرتبة 121 على 189 وهو مؤشر دال على مدى تقدم أمة ما، خصوصا في ميداني الصحة والتعليم، ولايزال المواطن المغربي أقل من 25 عام، بمعدل دراسة يصل إلى 5.5 أعوام فقط، فيما تحقق تونس 7.2، وليبيا 7.3، وفي جميع مؤشرات الفقر كذلك (… ننزل إلى مستويات دنيا تثبت بأن السياسات الاجتماعية بالمغرب رغم تعدد مداخيلها لا تفي بالغرض لدرجة أن أصبح أكثر من نصف ساكنة المغرب في حالة عوز أو أقرب إلى العوز، 19 مليون شخص تقريبا.

السيدات والسادة،

هذا هو المسار الحقيقي الذي تتحاشى الحكومة الحديث عنه، فأحرى الاعتراف به، رغم ما له من خطورة كبير، أبرزها التأثيرات السلبية على الاستقرار حيث توالدت الاحتجاجات الشبابية بالعشرات طيلة هذه المدة، خاصة في المناطق الهامشية أفضت إلى تشنجات واعتقالات ومحاكمات، ناهيك عن الفواجع شبه اليومية التي تأتينا من أعماق البحار حين تبتلع شبابنا بعدما انتصر الأمل في قوارب الموت على الأمل في الحكومة.

أيتها السيدات، أيها لسادة،

        بعد هذه المؤشرات الدالة، لننتقل الآن إلى النقطة الثانية التي سأتناولها كذلك بالأرقام، وتتعلق بالنتائج المحققة على مستوى بعض القطاعات الاقتصادية المهمة.

        وقبل الخوض فغي الملاحظات لا بد من سرد مجموعة من الأرقام المهول: يلج سوق الشغل سنويا ما يقارب 120.000 شخص، لدينا حاليا أزيد من 10 ملايين شخص في حالة عوز، 6 ملايين شخص في حالة فقر مدقع و8 ملايين شخص على عتبة الفقر، إضافة إلى 13 مليون شخص يجدون صعوبة في الحفاظ على مستواهم المعيشي، 32% من الساكنة من كامل الأسف أميون و16 مليون شخص غير مشمولين بأي تغطية صحية، كذلك 1.2 مليون عاطل على الأقل.

        وسندرك بالنظر إلى هذه الأرقام أننا نراوح مكاننا كل سنة، وهكذا فميزانية المغرب تتعرض لإكراهين متوازيين، الأول خارجي من المؤسسات المالي الدولية وشروطها القاسية، وهي العجز والتضخم والمديونية إضافة إلى ضرورة الالتزام بمبدأ حرية السوق، والإكراه الثاني داخلي اجتماعي بالأساس، غالبا يتم بالإجابة عليه بحزمة من المسكنات أثبتت التجربة عدم فعاليتها.

        ففيما يخص الإكراه الأول الذي تتم ترجمته عمليا بالحفاظ على التوازنات المالية، تكون نتيجته الواقعية غي ضغط مقدرات الاستثمارات العمومية، التي تتم الزيادة فيها بنسب ضئيلة لأسباب دعائية وسياسية صرفة. في 2016 كانت مبالغ الاستثمارات العمومية في حدود 189 مليار درهم، وفي 2020 بلغت 198 مليار درهم، والملاحظ هو تراجع هذه النسب مقارنة مع الناتج الداخلي الخام، أضف إلى ذلك، وزيادة على ضعف مبالغ الاستثمار العمومي، غالبا ما يتم إلغاء الاعتمادات غير المستهلكة مع اقتراب السنة المالية الموالية، فتنفيذ ميزانيات الاستثمار وصل فقط إلى 68.7%، وإذا أضفنا إلى ذلك سوء التدبير فإن المبلغ الحقيقي للاستثمار العمومي لا يتجاوز 100 مليار درهم.

        ورغم هذه الوضعية التي تتواجد فيها المالية العمومية بيم المطرقة والسندان فإنه كان بالإمكان تحقيق نتائج أفضل لو أن معدل نمو الناتج الداخلي الخام احتفظ بالوتيرة التصاعدية بشكل مستدام، وهو ما لم تستطع الحكومة تحقيقه طوال السنوات التسع الماضية.

        الإكراه الثاني، يتعلق بالتوازنات الاجتماعية: حيث تم بذل مجهود كبير في العشرين سنة الأخيرة للاهتمام بالفئات المعوزة، لكن كثرة البرامج وعدم وجود التنسيق بينها وفي بعض الأحيان لا يتم استهداف الفئات المعنية، كلها عوامل قلصت من فعالية هذا المجهود. ويمكن تقسيم هذه المبادرات الاجتماعية إلى نوعين: المساعدات الاجتماعية المباشرة الصرفة، والمساعدات ذات الهدف الاقتصادي رغم أنها ما زالت في بداياتها. فالبرغم من كثرة البرامج، بقي الدعم المباشرة للاستهلاك طاغيا، فيما المبادرات التي تروم إحداث فرص الشغل والمدرة للدخل بقيت هامشية. كما أنه، وبعد تدقيق الأرقام بخصوص حصيلة برامج المساعدة المباشرة للفئات الهشة، وعلى عكس الأرقام التي يتم تقديمها من طرف الحكومة والتي تقول بأنها تفوق 12 إلى 14 مليار درهم، تبين لنا بأنها لم تتجاوز 2.5 مليار درهم مثلا في 2019؛ لأن تكاليف المقاصة التي ضخت فيها الدولة حوالي 18 مليار درهم لا يستفيد الفقراء منها إلا بنسبة 15% تقريبا حسب دراسة أنجزتها مندوبية التخطيط وكذلك بنك المغرب. وفي 2017 لم تتعد الأسر المستفيدة من برنامجي المقاصة وراميد، أكثر من 70.000 أسرة، مع مبلغ لا يتجاوز 4.5 مليار درهم.

وخلاصة الأمر، فكل البرامج الاجتماعية المتفرقة وكثرة المتدخلين، وعدم استهداف الفئات المعوزة بشكل عادل، إضافة غلى تأخر إخراج السجل الاجتماعي الموحد لتدبير مختلف هذه العمليات بشكل ناجع تجعل هذه المبادرات غير فعالة، والمبالغ الإجمالية المخصصة لها لا تتعدى 6.5 مليار درهم في 2019، لساكنة تفوق 10 ملايين شخص، أي 650 درهم للشخص الواحد على أقصى تقدير، مع الإشارة إلى أن هذه العمليات التي تهتم بالأنشطة المدرة للدخل لا تتعدى نسبة 0.5% من مجمل المبالغ المخصصة لهذه المساعدات.

كما أن البرامج الاجتماعية المتعلقة بمحاربة البطالة والإنعاش الوطني، تصعب دراستها لتداخل السياسي مع ما هو تشغيلي، وكذلك بعض العمليات التي تهتم بالبنيات التحتية الضرورية، كالربط بالكهرباء والماء والمسالك، فهذه عمليات من صلب العمل العادي لكل القطاعات.

ونظرا لكون الوضعية لن تتغير في المدى القريب بفعل السياسات المقترحة، وما تفرضه من أولوية للتوازن المالي، وفي ظل تواضع الناتج الداخلي الخام، وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف مستوى التعليم ببلادنا، سندرك أن البرامج الاجتماعية تبقى مجرد مسكنات لا أقل ولا أكثر.

أما في ما يخص القطاعات الاقتصادية، فقبل التعرض لأية تفاصيل، لا بد من وضع الأصبع غلى الإشكال المركزي المتمثل في كون المنهجية الحكومية مختلة من منطلقاتها، إذ لا يعقل برمجة مشروع قطاعي كيفما كان ون التوفر مسبق على استراتيجية اقتصادية واضحة ومبرمجة زمنيا، الشيء الذي يعني أن التفكير في أي قطاع يتم بمعزل عن القطاعات الأخرى، والنتيجة هي ما يعنيه من عدم اندماج الإمكانيات وبالتالي اندماج النتائج.

ومن تجليات هذا الاختلال وجود أزيد من 50 برنامجا قطاعيات في وضع تغيب فيه القيادة السياسية المتمكنة الجامعة في رئاسة الحكومة. ولعل التعبير الأكثر تداولا طوال هذه السنوات هو غياب التضامن الحكومي ما يؤثر على تدبير هذه البرامج وضمان الانسجام فيما بينها.

ففيما يخص القطاع الفلاحي أول شيء ينبغي الوقوف عليه بعد مضي 11 عاما على بدء المخطط الأخضر ورغم إلحاح الكثير من نواب الأمة والفاعلين المؤسساتيين والباحثين في الميدان الزراعي، لا أحد توصل بأي دراسة تقييمية لهذا المخطط رغم أن الوزارة تتوفر على دراستين تقييميتين وتم أداء أتعابها من المال العام ولا شيء نشر، فضلا عن دراسة الإحصاء الزراعي التي يبدو أنها متوفرة منذ 2017 ولا شيء وضع منها رهن إشارة العموم والباحثين بالخصوص. فما الذي يجعل الوزارة تتحفظ على توفير المعلومة التي يبيحها القانون اللهم إلا إذا كان مضمون هذه الدراسات لا ينسجم والصورة الوردية التي تجتهد الوزارة في تعهدها.

هذا، وانطلاقا من الأرقام التي توفرها كل من وزارة المالية والمندوبية السامية للتخطيط وكذا المجلس الأعلى للحسابات، يتبين أن فيما يخص التشغيل بالقطاع، تم فقدان 32.000 منصب شغل صافي بين 2008 و2018. وفيما يخص مضاعفة الناتج الداخلي الخام الفلاحي فإن الزيادة طيلة عشر سنوات لم تتجاوز 30 في المائة، أي من 97 مليار سنة 2009 إلى 126 مليار درهم سنة 2019، وقد كان من الممكن أن تكون النتيجة أفضل لو تم التركيز على آليات دعم المبادرات أي المواكبة والتأطير متبوعة بخطوات استباقية في تدبير التسويق خصوصا على مستوى التصدير.

وفيما يتعلق بمخطط التسريع الصناعي، نلاحظ أن مجهودات كثيرة بذلت لكنها تركزت بالأساس في قطاعات انتقلت من 40% كنسبة اندماج إلى 60%، لكنها محدودة في بعض القطاعات فقط، وهناك مجالات متعددة لم يبذل فيها الجهد الكافي رغم أنها في المتناول.

كما أن الحكومة وعدتنا بأن يشغل هذا المخطط نصف مليون شاب في أفق 2020، غير أن النتيجة كانت صادمة حيث لم تتجاوز المناصب الصافية المحدثة 28 ألف منصب. كما أن صندوق التنمية الصناعية لم يصرف إلا 30% من المبلغ المخصص لقطاع الأدوية ولم يصرف إلا 40% من المبلغ الذي كان مخصصا لقطاع مواد البناء. وإجمالا لم يصرف إلى حدود 2018 إلا 11 مليار درهم أي 60% من الاعتمادات المرصودة. ورغم ارتفاع الصادرات الصناعية بنسبة 7% كمتوسط سنوي فقد ارتفعت كذلك الواردات ب 8% لنصل إلى عجز في تغطية الواردات الصناعية متفاقم باستمرار، فبعدما كانت التغطية في حدود 65% سنة 1998، انحدرت إلى 53% سنة 2018.

وبخصوص المؤسسات العمومية، فقد قدمنا مجموعة من الملاحظات منذ سنة 2017 لكنها لم تؤخذ بعين الاعتبار، خاصة في ظل مراكمتها لقروض مرتفعة جد مرتفعة حيث إن ثلث الدين العمومي متمركز لدى هذه المؤسسات، ومردوديتها المالية جد ضعيفة، في حدود 1.5%، ومساهمتها في مالية الدولة لا تتعدى 9 مليار درهم. كما أن أموالها الجارية تستفيد منها الأبناك أكثر من الخزينة العامة، وهي نفس الأبناك التي تقرض الخزينة العامة كل أسبوع.

 وعى مستوى الحكامة، فإن أغلب المؤسسات الكبرى لا تخضع لمراقبة مالية عكس المؤسسات الصغيرة، ناهيك عن كون كثير من المؤسسات العمومية أصبحت تمارس مهاما غير تلك التي أنشئت من أجلها.

وعلى مستوى الأمن الطاقي، وعوض التوفر على صناعة تحويلية وقدرة على التخزين تم إطلاق أيدي الخواص لتستفيد حفنة من الشركات من وضع احتكاري مبني على الاستيراد والتسويق.

إجمالا ودون الدخول في تفاصيل متشعبة، يمكن تلخيص الاقتصاد الوطني في خمس نقط رئيسية:

أولا: معدل نمو متوسط وإن كان لا يؤثر بشكل كبير وإيجابي في معدلات التشغيل وتحسين المستوى المعيشي لغالبية الساكنة؛

ثانيا: لا وجود لمخطط شامل، يشمل جميع القطاعات الاقتصادية وفق منظور تكاملي؛

ثالثا: غياب الحكامة التدبيرية، وعدم وجود إرادة للقطع مع الفساد، وتعزيز أسس النجاعة والمردودية؛

رابعا: استمرا الحكومة في نفس نهج السياسات العمومية المختلفة منذ الاستقلال، والتي فشلت في تحقيق الأمن الغذائي والطاقي وانعكاس ذلك على السياسات الاجتماعية من حماية اجتماعية وتعليم؛

خامسا: غياب القدرة على الاستشراف ما يجعل السياسات العمومية ذات أهداف آنية أو متوسطة المدى في أحسن الأحوال، علما أن حجز الزاوية في بناء سياسة بعيدة  المدى يكمن في تأهيل المنظومة التعليمية التي بدونها سنبقى على هامش الاقتصاد العالمي بحكم أن هذا الأخير أصبح اقتصاد معرفة.

السيدات والسادة،  

        بعد هذا الرصد الجزئي المعزز بكثير من الأرقام، يجدر بنا أن نسائل مشروع قانون المالية للسنة المقبلة عما إذا حمل ما يمكن أن يجيب، أو على الأقل يشكل بداية الإجابة على الاختلالات المذكورة ويضمن انعطافه نحو منظور مغاير.

المؤكد في هذا الشأن أن هذا المشروع يعتبر استثنائيا، لا لأنه جاء في ظروف استثنائية طبعتها الجائحة، ولطن لأن توجهاته العامة لا دخل للحكومة فيها، اللهم ما تعلق بالأجرأة التقنية.

فقبل هذا المشروع ببضعة أشهر كانت الحكومة قد تقدمت بمشروع معدل لمالية 2020، اتسم بفراغ واضح رغم أن الظرفية كانت تستدعي وقفة إرادية قوية. وفي الوقت الذي كان فيه التضامن الواسع بين مختلف شرائح المجتمع يسد جزئيا الهوة الاجتماعية التي انكشف حجمها بفعل الجائحة ويحدد، موضوعيا التوجه الذي يجب السير عليه آنا ومستقبلا، أي التصدي للمسألة الاجتماعية بحزم وقوة وبمبادرات شجاعة وحاسمة، خلا المشروع المعدل من أي مؤشر في هذا الاتجاه، بل إنه استكان إلى كرم المغاربة لمواجهة الاحتياجات الآنية بأن الرسالة الملحة قد وصلت، ناهيك عن الإجراءات المحتشمة لدعم المقاولة والنسيج الاقتصادي.

وفي هذه الأجواء التي كشفت حجم العجز الحكومي، جاء الخطاب الملكي السامي لعيد العرش حاملا بشرى تاريخية بتقديم الإجابة التي خلا منها مشروع قانون المالية المعدل، وأعلن جلالته العزم على إنجاز الانعطافة التاريخية، بل والثورية، نحو استعادة دور الدولة الكامل والقوي في معالجة الاختلالات الاجتماعية، بما يعنيه ذلك من معالجة الاختلال العميق في توزيع الثروة بين المغاربة.

هذا فضلا عن إعلان جلالته لتدابير قوية وبحجم مالي غير مسبوق لدعم صمود النسيج الاقتصادي من خلال التدابير الموجهة لصالح المقاولة بكافة أحجامها.

ولتأكيد المسار وتدقيق المنظور الملكي السامي، جاء خطاب افتتاح السنة التشريعية بتفاصيل إضافية حول التغطية الاجتماعية الشاملة والبرنامج الزمني لتنفيذها، والإطار المالي لدعم الاقتصاد الوطني، مع الإشارة إلى الدور الاقتصادي للدولة والدعوة لإعادة النظر في أسلوب التعيين في المسؤوليات باعتبارها أساسية في نتائج التدبير.

لذلك فإن مشروع قانون المالية 2021 لا يعدو كونه ترجمة تقنية للتوجهات الملكية السامية، ما يعني أن تداولنا سيكون مرتكزا على بلورة آليات تفعيل الأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقها جلالة الملك، ومدى قدرة الحكومة على الأجرأة المالية، ثم التنفيذ بعد ذلك. ومن هذا المنطلق يتوجب على الجميع، أغلبية ومعارضة، أن ينكب بكل تجرد وبعيدا عن أي استغلال سياسوي، على التنزيل السليم والسريع لهذه الأوراش بما يتوافق والتوجيهات الملكية السامية.

وإذا كانت الحكومة قد عودتنا على مدى ولايتين على التخبط في إبداع الاختيارات العامة، الشيء الذي أشرنا إلى بعض تفاصله، فإنها اليوم أعفيت بكرم ملكي من هذه المهمة، فهل ستكون في مستوى تنزيل الاختيارات الجديدة؟

لن نتسرع في الإجابة، ولكن لا بد من الإقرار أن المشروع لا يقدم أية حلول للاختلالات القطاعية التي أشرنا إليها، مكتفيا فقط بالجوانب التي جاءت ضمن التوجيهات الملكية، علما أن هذه التوجيهات خصت مجالات بعينها ذات ملحاحية آنية.

بل إنه حتى في ما يرتبط بهذه المجالات ذات الملحاحية الآنية، كنا نتوقع أن تكون الحكومة أكثر إبداعا وإرادية. من قبيل أن تنجز قفزة كبرى على مستوى الاعتمادات المخصصة للبنيات الاستشفائية، لأنه سيكون من العبث العمل على بلورة تغطية صحية شاملة دون إعداد الطاقة الاستقبالية والاستيعابية للمستشفيات على المستوى الوطني، خاصة وأن تجربة راميد غنية بالدروس.نفس الملاحظة بالنسبة للمدرسة العمومية التي لم يطرأ أي تغيير ذو معنى على الإمكانات المالية المرصدة لها، والحال أن الشهور الأخيرة أبانت الحاجة المستعجلة لإطلاق استراتيجية الرقمنة في التعليم. فلا يمكن الاستمرار في تعهد مدرسة لا زالت تعتمد الوسائل التقليدية، وتحرم المدرس والمتمدرس معا من الإمكانات الخيالية التي تتيحها الرقمنة.

طبعا لا نقصد هنا تغييرا جذريا بين عشية وضحاها، ولكن على الأقل إعطاء دفعة قوية تؤشر إلى توجه مستقبلي ينخرط فيه الجميع، والحال أن الاعتمادات المقترحة لا تحمل ما يفيد هذا العزم.

لذلك، قررنا في فريق الأصالة والمعاصرة التصويت بالرفض على مشروع قانون المالية للسنة المالية 2021، احتراما لمواقفنا الثابتة والمبدئية التي أعلناها اليوم في هذه الكلمة، وخلال أطوار اجتماعات لجنة المالية، وقبلها داخل مختلف اللجان النيابية الدائمة.

ختاما أو اغتنام اللحظة لأوجه تحية تقدير واعتزاز إلى كل الواقفين في الصفوف الأمامية أثناء هذه المرحلة الصعبة، من أطر الصحة العمومية والأمن الوطني والدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية، ورجال ونساء السلطة، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.